الشيخ محمد جواد البلاغي رائد التعليم الذاتي

اليوم نحن أمام شخصيّةٍ كبيرة من شخصيّات الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، شخصيّة تأبى إلّا أن تتحدّى الموت بحياة كُتبها، التي ما زالت منهلاً للشاربين على تعددها، كماً وكيفاً وتنوعاً، ألا وهو الشيخ محمّد جواد البلاغي، العالم العامل بعلمه، الصادق الصابر المصابر، المجدٌّ المجتهدٌّ المجاهد، راسخ الإيمان، حاد الذكاء، شديد الفطنة، عذب المنطق، يجول بقلمه بين العلوم، وكأنّه رحالة بين البلدان، ناصر الإسلام والمسلمين والمحامي عن حياض الشريعة الغراء فهو بذلك داعية القرن بحق.

ولنعم ما قال في حقّه الشاعر السيّد محمود الحبوبي:

دأبت بنشر ما سميت كتبا **** ودين الله سمّاها دروعا

ولد في شهر رجب الأصب 1282 للهجرة، وتوفّي في شهر شعبان سنة 1352 للهجرة؛ ليجعل من السبعين سنة التي عاشها ثريّة بالعطاء العلمي والمعرفي، فهو شخصيّة تُعطي نموذجاً حيّاً للمثابرة والنجاح، رغم التحديات الصِعاب، فهذا الرجل حوى أكثر من علمٍ شأنه شأن علماء مذهب أهل البيت عليهم السلام وتميّز بعدة أمور أشير إليها باختصار:

 لغاته المتعددة:

يُتقن الشيخ البلاغي (قدّس سرّه) اللغة العربيّة والفارسيّة والعبريّة وبعض الانجليزيّة، ومن الطبيعي أن من يُتقن أكثر من لغة فإنّه يتعرّف على أكثر من ثقافة، فكيف بالشيخ البلاغي الذي أفنى عمره في طلب المعرفة ونشرها، فقد استفاد من لغاته المتعدّدة في قراءة وتأليف وترجمة العديد من الكتب والمؤلّفات فألّف الكتب والرسائل العلميّة بلُغةٍ قد تُعدُّ نادرة في وقته خصوصاً، وشخصيّة علميّة مثله، فالفكرة العميقة يصوغها بأُسلوب روائي جذّاب، وينتقل ما بين السهل الممتنع والليّن الهيّن إلى الأدلة القاطعة، والحجج المسكتة، فتراه يسدّد نِصال المعرفة إلى كبد الضلال ليُجنّب المذهب الحقّ معاول الماديّين والملاحدة والبهائيّين، فكانت كتبه بحق أجوبة لكل زمان، وفي كل مكان، وكيف لا وهو المتمكّن الأمكن من العلوم التي حواها.

ولغاته التي تعلّمها كانت بجهدٍ ذاتي رغم كلّ الظروف الصعبة المحيطة به، ففي أثناء إقامته في سامراء أو في بغداد وما بين شظف العيش ولظى المحن توجّه إلى يهودي ليتعلّم منه بمقابل مادي على ما به من فقر وفاقة، ولكن حبّه للعلم وإصراره على كشف الحقائق دفعه إلى ذلك فأتقنها قراءة وكتابة ونطقاً في رحلة تعليم ذاتية قلّ ما نجدها في هذا العصر – رغم كل الوسائل المتاحة – وتمكّن منها وراح يقارن بين الأصول في العهدين القديم والجديد وبين المطبوع، وأظهر العديد من الاختلافات بينهما, ليكون علّامة التعلّم وعلّامة العلم.

 أدبه الرفيع

إضافة للعلم الجمّ لشيخنا البلاغي (قدّس سرّه) فهو شاعر المشاعر الإنسانية، وناظم القوافي الولائية، سلسل الشعر، رصين الفكرة، سهل في إيصال ما يريد، تراه تارة يسطّر أروع الأبيات في حق أهل البيت عليهم السلام، وتارة يجيب على شبهات الخصوم حول المسائل العقدية، وتارة يؤبّن أخا له في العلم.

فمن أروع ما قاله في رثاء سيد الشهداء (عليه السلام):

 

يا تريب الخد في رمضا الطفوف * ليتني دونك نهباً للسيوف

 

وفي إجابة مسألة في أمر الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف قال:

 

أطَعْتُ الهوى فيهم فعاصانيَ الصَّبْرُ     فـها أنا ما لي فيه نهـيٌ ولا أمـرُ

 

وله في تأبين السيد محمد سعيد الحبوبي (قدّس سرّه) قصيدة مطلعها:

 

شاقَكَ الرَكْبُ فَأسْرَعْتَ سِباقا  *  وتَرَكْتَ الصَبَّ يَلْتاعُ اشْتِياقا

 ولاءه الحسيني:

وقف (قدّس سرّه) موقف المُدافع أمام مَدافع شبهات الشعائر الحسينيّة، وراح يسوق الأدلة تلو الأدلة على رجحانها واستحبابها، ولم يكتف بذلك، بل شارك بنفسه في العديد منها؛ إذ يقول عنه الكاتب روبير بندكتي في كتابه (الشعائر بين الدين والسياسة في الإسلام والمسيحية) ما نصه:

أما في كربلاء فقد كان آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (توفي العام 1846) أول من أقام المواكب الحسينية في يوم عاشوراء، وعنه أخذت حتّى توسعت ووصلت الى ما هي عليه اليوم.

وقال (قدّس سرّه) عن الشعائر التي كانت تُقام في سامراء نقلاً عن موسوعة الشعائر الحسينية للشيخ محمّد الحسون

كان الشبيه يترتّب يوم العاشر في دار الميرزا (قدّس سرّه) ثمّ يخرج للملأ مرتباً، وكذلك موكب السيوف، كان أهله يضربون رؤوسهم في داره ثمّ يخرجون، وكانت أثمان أكفانهم تؤخذ منه، وما كان أفراد الشبيه سوى الفضلاء من أهل العلم؛ لعدم معرفة غيرهم بنظمه في قول وفعل.

وأمّا المواكب اللاطمة في الطرقات فكانت تتألف من أهل العلم وغيرهم، وكان السيّد مهدي صاحب (الصولة) يومئذ أحد الطلبة اللاطمين جزء المواكب، متجرّداً من ثيابه إلى وسطه، وهو من دون اللادمين مؤتزر فوق ثيابه بإزار أحمر.

ودام هذا كلّه بجميع ما فيه إلى آخر أيّام خلفه الصالح الورع الميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدّس سرّه)، وكان الشبيه يترتّب أيضاً في داره، ومنه تخرج المواكب وإليه تعود، بيد أنّ موكب السيوف لم يتألف غير مرّة؛ لأنّ القائمين به ـ وهم الأتراك لا غيرهم ـ كانوا يومئذٍ قليلين، ولقلّتهم استحقروا موكبهم، فتركوه من تلقاء أنفسهم.

هكذا عاش (قدّس سرّه) مستثمراً كل فرصة في حياته لخدمة الدين الحنيف، حتّى وافته المنية بعد أن اصيب بالسل ومن ثمّ بمرض ذات الجنب (وهو مرض يجعل التنفس صعباً)، رحل مخلّفا كمّاً كبيراً من المعرفة، وسماءً واسعة من التأمل في شخصيته التي تُلهم القاصي والداني في المثابرة والجد والاجتهاد.

ولما آن أوان الرحيل، وأُعلن عن وفاته، خرجت النجف الأشرف بكبيرها وصغيرها تنعى قلم الإسلام والمدافع عن حياض الشريعة وشيّعته تشييعاً مهيباً ووارته قرب سيده وسيدنا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

ولنعم ما رثاه أمير من أمراء الشعر العربي السيد رضا الهندي (رحمه الله)؛ إذ قال:

إن تمسي في ظلم اللحود موسّدا * فلقد أضأت بهن ” أنوار الهدى “

ولئن يفاجئك الردى فلطالما * حاولت إنقاذ العباد من الردى

وتخليداً له بنى سيدنا المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) مدرسة دينية في النجف الاشرف باسم شيخنا البلاغي (قدّس سرّه) لتكون مناراً من منارات الهدى، ومحلّا كريما لطلبة العلوم الدينية.

 

كاظم الخرسان

13 + 6 =