انطفأ سراج الشيخ محمد رضا المامقاني
في صباح يوم رمضانيٍّ حزين، انطفأ سراج الشيخ محمد رضا المامقاني.
اسمٌ توارى خلف كتبه التي نشر كثيراً منها بغير اسمه، إلا أن أثره كان حاضراً في سطورٍ مثقلةٍ بالتحقيق، وهوامشٍ موثّقةٍ بالتخريج، لأنه كان يعيش للأثر لا للثرى، فيزرع بصمتٍ ثم يذهب بهدوء لنجني نحن ثماره اليانعةً.
رحل بعد أن ترك في قلوب محبيه أثراً يُحسّ كالنسيم، إذ لم يكن صاخباً في حضوره، بل كان ظلاً طيّباً يمرُّ في طرقات المعرفة، إذا حضر ابتهجت النفوس، وإذا تكلّم استنارت العقول، بشوش الوجه، مطمئن النظرة، يبتسم كمن لا يحمل هموماً وهو المُثقل بها.
عاش حياته بين مخطوطةٍ متعبةٍ وكتابٍ منسيٍّ، يبحث عن كلمةٍ أضاعها الزمن أو سطرٍ يخشى أن يبتلعه النسيان، فكم من كتابٍ أعاده إلى نصابه، وموسوعة أنارَ بها طريق الطالبين، لم يطلب ثناءً ولم ينتظر ذكراً، لأن في قلبه عهداً وعقداً وبيعةً لإمام زمانه (عجّل الله فرجه الشريف)، راجياً أن يبقى أثره بعد موته أكثر مما عاش.
إذا ذُكر أهل البيت (عليهم السلام) هدأ صوته، وارتجف قلبه، ورفرفت شفاهه بالمناجاة، كان ولاءه صادقاً لا يحتاج إلى إعلان؛ فيكفي أن ترى دمعه إذا ذُكروا، وتسمع نشيجه إذا تُليت مصائبهم.
واليوم، بدت أماكنه موحشة، فكتبه باتت تنتظر قدومه في حيرةٍ، وأوراقه تبحث عن أنفاسه الهادئة، ولكن هيهات، فرجل المحبرة والقلم رحل ليُجزى جزاء ما قدّم.
إن حزننا على فقده حزنٌ على زمنٍ من الصفاء، على رجلٍ كان يذكرنا بهمم الرجال التي تزيل الجبال، وأن العلم عبادة، والابتسامة صدقة، والتواضع أسلوب حياة، والإخلاص ليس حكاية قديمة.
كاظم الخرسان
النجف الأشرف
- سيعجبك أيضاً
