الطريق إلى النجف… قصة قصيرة

في زمنٍ كثُرت فيه قصص النجاح، حتى صار الناس يقيسون النجاح بالمال والشهرة والمنصب، غابت عن العيون قصصٌ صنعتها قوة الإرادة والإيمان بالعلم، فخلّدها التاريخ قبل أن تتناقلها الألسن.
وبمناسبة رحيل آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (رحمه الله)، وددت صياغة مختصر سيرة حياته المليئة بالتحديات بأسلوبٍ قصصي لنرى كيف يصنع الإيمان حين يقترن بالصبر والعمل، وأن المجد لا يُبنى بما يملكه الإنسان بل بما يتركه من هداية وأثر صالح.
الطريق إلى النجف… قصة قصيرة
هناك، في قرية على سفوح (غزني) الأفغانية، حيث يطول الشتاء أكثر من أماني المزارعين، وُلد الشيخ محمد إسحاق لأسرةٍ لا تملك إلا إيمانها وكدّ يمينها، كان أبوه مزارعاً بسيطاً، إلا أنه كان ذا نظرة ثاقبة، فكلما تأمّل ملامح صغيره الجديد، شعر أنه لن يبقى طويلاً بين هذه الجبال، فهذه الملامح خُلقت لأفق أبعد من حدود هذه القرية.
ولأن قرية (صوبة) لم تحتضن المدارس، كان أبوه يأخذه كل صباح إلى شيخ القرية، ليعلّمه القرآن الكريم، وفي الشتاء عندما كانت الثلوج تغلق الطرق، كان يحمله على كتفه؛ يشق به البياض القارس حتى يضعه بين يدي معلمه، ثم يعود به آخر النهار.
ومع تتابع الأيام، كبر الحلم مع الفتى حتى ضاقت به حدود قريته، فانتقل إلى قرية مجاورة ليواصل شغفه، ولم يكد يخطو أولى خطوات شبابه حتى اختطف الموت أمه، فأظلم البيت الذي كان عامراً بحنانها، إلا أنه لم يكسره اليتم، وإنما أورثه عزيمةً وإصراراً على الاستمرار في طريق العلم.
فشدّ رحاله قاصداً النجف الأشرف، مروراً بمدينة مشهد المقدسة حيث الإمام الرضا عليه السلام، فمكث فيها عاماً من التقشف والمجاهدة في غرفة صغيرة، لا يأنس إلا بأنيس النفوس وطلب العلم، حتى حانت ساعة الرحيل، منتقلاً من عليٍّ إلى عليٍّ، متنقلاً بين أيادي أهل الفضل الذين كانوا يرون فيه طالب علمٍ يستحق العون.
وحين لاحت أمامه القبة الذهبية لأمير المؤمنين عليه السلام، تيقّن أن كل ما سمعه عن هذه المدينة كان أقل من حقيقتها، فالنجف الأشرف عالمٌ خاص ومدينة لا تنام، فالدروس في كل زاوية، والطلاب يحضرونها من كل حدب وصوب، وعُبّادٌ يرتلون آيات وأذكار في رحاب مولى الموحدين عليه السلام.
سكن في غرفة صغيرة بمدرسة دينية رفقة زميل له من بلده الأم كان قد سبقه إلى حياض المعرفة، يقتات أكثر أيامه على الخبز والبصل، ولم يكن يرى في ذلك فقراً معيباً، بل ضريبةً طبيعية لمن اختار هذا الطريق، فالنجف الأشرف لا تفتح أبوابها إلا لمن يصبر على مجاهدة نفسه، قبل أن يصبر على حرها وبردها.
وسرعان ما اندمج في أجواء النجف العلمية، وصار يتنقل بين العلماء ومجالسهم، وتجاوز المراحل الأولى وصار يعيد الدروس لزملائه الأصغر منه، جامعاً بين التعلّم والتعليم، كما هي سيرة الحوزة العلمية.
ومع الأعوام، عُرِف بحدّة الذهن وقوّة المثابرة، طاوياً مراحل الدرس في زمنٍ أقصر مما اعتاده أقرانه، ليلتحق بدروس البحث الخارج، فتشكلت شخصيته العلمية، ولازم درس ومجلس أستاذه السيد أبي القاسم الخوئي (قده)، لأكثر من خمس وثلاثين عاماً، فكان يعيد بناء المطالب العلمية ويقارن بين الآراء وأدلتها، حتى غدت تقريراته مؤلفات شهد لها أستاذه بالدقة والإحاطة، فكان ذلك بداية شياع اسمه في الأوساط العلمية.
ففي النجف الأشرف، لا تكن الشهرة بالألقاب، بقدر ما هي تحصيل حاصل لليالٍ طويلة من السهر بين الكتاب والمباحثة، والصبر على الطاعة وعن المعصية، ومع الأعوام، تحول التلميذ إلى أستاذ، وغدت حلقاته مقصداً لطلاب العلم، يعلّمهم كما تعلم، بالحوار، والصبر، والبحث عن الدليل. ثم اختير ليكون من خاصة العلماء الذين يتولون الإجابة على الاستفتاءات المقدمة للإمام السيد الخوئي (قده)، ليكون بعدها ركناً ركيناً يُركن إليه لأكثر من ثلاثة عقود، أستاذاً ومرجعاً ومربياً، حتى أسدل الستار يوم الغدير الأغر على رحلة امتدت من ثلوج غزني إلى رحاب النجف الأشرف.
فسلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم هاجر، ويوم علّم، ويوم رحل، وسلامٌ على أولئك الرجال الذين حفظوا الدين بأعمارهم، وكتبوا تاريخه بصمتهم قبل أقلامهم.
كاظم الخرسان
النجف الأشرف

11 + 2 =