من طريق يا حسين الى ضفاف الفردوس

حين تُطوى الرايات، ويهدأ نغم الخطى، يقف خدمة الحسين على بوابة المساء الأخير كأنهم على شرفة وداع لا ينتهي.
فعند حافة البوح يتكلم صمتهم بما لم تستطع قوله زحمة العيون، تراهم يعدّون الأكواب الفارغة كغريبٍ يعدُّ نجوم ليلته، ويطوون فرش خدمتهم كقارئ قرآن يُعيدُ للمصحف أوراقه بعد ختمه.
انتهت زيارة الأربعين كنهرٍ بلغ ضفّتَه، وما زال صدى صوت لبيك يا حسين يلوح كقنديل في آخر الطريق، ورائحة الشاي تطفو في السماء كذكرى دافئة، والطرقات ما زالت تحتفظ بآثار أقدام الزائرين كسبحة انفرطت حبّاتُها.
في ساعات الوداع يرفع الخدم رؤوسهم لئلا تسقط دموعهم دفعة واحدة، يريدون أن يبلّوا أخاديد وجوههم بدموع التقصير، رغم أن اليد التي كانت تُقدّم الماء مازالت مبللة باليقين، والقدم التي مشت مع الركب تشهد أن هذا الطريق لا يُقاس بالمراحل بل بالشوق.
واذا ما خطرت على قلوبهم خاطرة أجرهم وثوابهم، تسرح أفكارهم نحو وعد قريب حيث جنان الله وهي تتزيّن برايات لا تُطوى، ومواكب مستمرة متناسقة، وسائرين على ضفاف الفردوس.
هناك لا يُقاس الزمن بالأيام بل بالقرب من الحسين عليه السلام، ثم تأخذهم أفكارهم وهم يسكبون الماء البارد في كؤوس لا تنفد، على زائرين لا يعرفون شبعاً غير الوصول إلى الحسين عليه السلام.
الخلود الذي يتمنونه أن تكون الجنة موسماً سرمدياً من الخدمة، تلك الأمنية هي التي تصبّرهم وهم يفكرون بالموت وتجعل قلوبهم مشرعة إلى أن تحين الساعة.

4 + 10 =